العيني
264
عمدة القاري
. هو كل ثوب له خمل من أي لون كان ، وقيل : هو الأسود من الثياب . قولها : ( فانسللت ) أي : ذهبت في خفية لاحتمال وصول شيء من الدم إليه صلى الله عليه وسلم أو لأنها تقذرت نفسها ولم ترتضها لمضاجعة صلى الله عليه وسلم ، وخافت أن ينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فانسلت لئلا تشغله حركتها عما هو فيه من الوحي أو غيره . قوله : ( أنفست ) بفتح النون وكسر الفاء ، قال النووي : رحمه الله ، هذا هو الصحيح في اللغة بمعنى : حضت ، فأما في الولادة ، فنفست ، بضم النون وكسر الفاء ، وقيل : بضم النون وفتحها ، وفي الحيض بالفتح لا غير ، وفي ( الواعي ) نفست : بضم النون ، حاضت وفي ( نوادر اللحياني ) ومن خط أبي موسى الحافظ : نفست المرأة تنفس ، بالكسر في الماضي والمستقبل ، إذا حاضت وفي ( أدب الكتاب ) عن ثعلب ، النفساء الوالدة والحامل والحائض ، وقال ابن سيده : والجمع من كل ذلك ، نفساوات ونفاس ونفاس ونفس ونفس ونفس ونفس ونفاس قوله : ( ثياب حيضتي ) بكسر الحاء ، وهي حال الحيض هذا هو الصحيح المشهور ، وقال الكرماني : وقيل يحتلم ، فتح الحاء هنا أيضاً ، فإن الحيضة ، بالفتح ، هي الحيض . قلت : لا يقال هنا بالاحتمال ، فإن كلاًّ منهما لغة ثبت عن العرب ، وهي أن الحيضة : بالكسر ، الاسم من الحيض ، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض ، كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود ، فأما الحيضة بالفتح ، فالمرة الواحدة من دفع الحيض أو ثوبه وأنت تفرق بينهما بما تقتضيه قرينة الحال من مساق الحديث ، وجاء في حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ليتني كنت حيضة ملقاة ، هي بالكسر خرقة الحيض ، وجزم الخطابي هنا برواية الكسر ، ورجحها النووي ، ورجح القرطبي رواية الفتح لوروده في بعض طرقه بلفظ : حيض بغير تاء . ذكر استنباط الأحكام منها : جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في لحاف واحد . ومنها : استحباب اتخاذ المرأة ثياباً للحيض غير ثيابها المعتادة . ومنها : أن عرقها طاهر . فإن قلت : قال الله تعالى : * ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) * ( سورة البقرة : 222 ) قلت : معناه فاعتزلوا وطئهن . ومنها : التنبيه على أن حكم الحيض والنفاس واحد في منع وجوب الصلاة وعدم جواز الصوم ودخول المسجد والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف ونحو ذلك . فإن قلت : لِمَ لَمْ ينص البخاري على حكم النفاس وحده ؟ قلت : المهلب : لأنه لم يجد حديثاً على شرطه في حكم النفاس . واستنبط من الحديث أن حكمهما واحد . قلت : النصوص فيها كثيرة . منها : حديث أم سلمة ، رضي الله تعالى عنها : ( كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ) وقال الحاكم : صحيح الإسناد وقال الترمذي : لا نعرفه إلاَّ من حديث سهيل عن مسة الإزدية عن أم سلمة ، وحسنه البيهقي والخطابي ، وقال الأزدي : حديث مسه أحسنها . وعند الدارقطني : ( أن أم سلمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كم تجلس المرأة ، إذا ولدت ؟ قال : أربعين يوماً إلاَّ أن ترى الطهر قبل ذلك ) وعند ابن ماجة ، من حديث سلام بن سليم عن حميد عن أنس ، رضي الله عنه : ( وقت النبي صلى الله عليه وسلم للنفساء أربعين يوماً ) وحديث عثمان عن أبي العاص مثله ، وضعفه ابن عدي . وقال الحاكم : إن سلم هذا الإسناد من أبي بلال فإنه مرسل صحيح ، فإن الحسن لم يسمع من عثمان ، وحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ، أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الحيض ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ضعفه ابن عدي ، وحديث عائذ بن عمرو ضعفه الدارقطني ، وحديث جابر رضي الله تعالى عنه رواه الطبراني في ( معجمه الأوسط ) وحديث عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ضعفه ابن حزم ، وحديث العلاء بن كثير عن أبي الدرداء وأبي هريرة ، رضي الله عنهما ، رواه ابن عدي بالإرسال فيما بين مكحول وبينهما . وأما موقوف ابن عباس فسنده صحيح في مسند الدارمي ، وخرجه أيضاً ابن الجارود في ( المنتفى ) وفي ( كتاب الأحكام ) لأبي علي الطوسي ، أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلاَّ أن ترى الطهر قبل ذلك ، فإنها تغتسل وتصلي ، فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا : لا تدع الصلاة بعد الأربعين ، وهو قول أكثر أهل العلم من الفقهاء ، ويروى عن الحسن ، تدع الصلاة خمسين يوماً ، وعن عطاء ستين يوماً .